أحمد مصطفى المراغي

32

تفسير المراغي

فإن هذه الآية تدل على أن خلق السماوات كان بعد خلق الأرض ، والآية التي نحن بصددها تشير إلى أن اللّه تعالى دحا الأرض ومهدها لسكنى الناس بعد أن خلق السماء . فالآيتان ترشدان إلى أن اللّه تعالى خلق الأرض أوّلا ثم خلق السماوات بعد ذلك ، ثم عاد إلى الأرض فمهدها ودحاها ، فآية السجدة حكاية للخلق الأول ومبدئه وهذه الآية حكاية للإصلاح الذي كان بعد الخلق . ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتى سكناها من أمر المآكل والمشارب وإمكان القرار عليها فقال : ( أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ) أي فجّر منها العيون والينابيع والأنهار ، وأنبت فيها النبات سواء أكان قوتا لبنى آدم كالحب والثمر ، أم قوتا للأنعام والماشية كالعشب والحشيش . ( وَالْجِبالَ أَرْساها ) أي وثبت الجبال في أماكنها وجعلها كالأوتاد ، لئلا تميد بأهلها وتضطرب بهم . ثم بين الحكمة في ذلك فقال : ( مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) أي إنما جعلنا ذلك كله ، ليتمتع به الناس والأنعام من الإبل والغنم والبقر . ونحو الآية قوله : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ » . أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحيون ، ورافع السماء فوقكم ، وممهد الأرض تحتكم - قادر على بعثكم ؟ وهل يليق به أن يترككم سدى بعد أن دبر أمركم هذا التدبير المحكم ، ووفّر لكم هذا الخير الكثير .